أبي منصور الماتريدي

58

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أمرك وحالاتك وما تتلو منه من قرآن تبلغهم به الرسالة وقال بعضهم : قوله : وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ أي : في عبادة . وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ : تبلغهم به الرسالة . وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً : يخاطب نبيه تنبيها منه وإيقاظا والمراد منه هو وغيره ، ألا ترى أنه قال : وَلا تَعْمَلُونَ من عمل عمهم جميعا في ذلك ، يخبر أنكم في كل أمر يكون بينكم وبين ربكم ، وفي كل أمر بينكم وبين الناس - فلله لكم وعليكم شهود ، أو كل عمل تعملون لكم وعليكم شهود ينبههم ويوقظهم ليكونوا على حذر أبدا منتبهين [ متيقظين إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ قال بعضهم : تُفِيضُونَ فِيهِ تأخذون فيه وتخوضون فيه . وقيل : تقولون فيه . ] « 1 » وقيل : يكثرون فيه ؛ وكله واحد . ثم يحتمل قوله : فِيهِ في الحق ، ويحتمل في الدين ، ويحتمل في القرآن ، ويحتمل في رسول الله ؛ يقول : أنا شاهد فيما تخوضون وفيما تقولون في رسول الله ، أو في دينه ، أو فيما يتلو عليكم . وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ : لا يعزب « 2 » ، [ أي : لا يغيب ] « 3 » عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ، ولا في السماء فيما لا أمر فيه ولا نهي ولا كلفة ، فالذي فيه السؤال والأمر والنهي والكلفة أحرى وأولى ألا يغيب عنه شيء .

--> ( 1 ) ما بين المعقوفين سقط في أ . ( 2 ) قرأ الكسائي هنا ، وفي سبأ [ 3 ] : يَعْزُبُ بكسر الزاي ، والباقون بضمها ، وهما لغتان في مضارع « عزب » ، يقال : عزب يعزب ويعزب ، أي : غاب حتى خفي ، ومنه الروض العازب ؛ قال أبو تمام : وقلقل نأى من خراسان جأشها * فقلت : اطمئنّى ، أنضر الروض عازبه وقيل للغائب عن أهله : « عازب » ، حتى قالوا لمن لا زوج له : عازب . وقال الراغب : ( العازب : المتباعد في طلب الكلأ ، ويقال : رجل عزب ، وامرأة عزبة ، وعزب عنه حلمه ، أي : غاب ، وقوم معزبون ، أي : عزبت عنهم إبلهم ) ، وفي الحديث : « من قرأ القرآن في أربعين يوما ، فقد عزب » ، أي : فقد بعد عهده بالختمة ، وقال قريبا منه الهروي ، فإنه قال : ( أي : بعد عهده بما ابتدأ منه ، وأبطأ في تلاوته ) وفي حديث أم معبد : ( والشاء عازب حيال ) . قال : والعازب : البعيد الذهاب في المرعى ، والحائل : التي ضربها الفحل ، فلم تحمل لجدوبة السنة ، وفي الحديث أيضا : « أصبحنا بأرض عزوبة صحراء » أي : بعيدة المرعى . ويقال للمال الغائب : عازب ، وللحاضر : عاهن ، والمعنى في الآية : وما يبعد ، أو : ما يخفى ، أو : ما يغيب عن ربك . ينظر اللباب ( 10 / 363 ، 364 ) . ( 3 ) سقط في أ .